الشوكاني

23

فتح القدير

في الموضعين قبل حفظ الفرج ، لأن النظر وسيلة إلى عدم حفظ الفرج ، والوسيلة مقدمة على المتوسل إليه ، ومعنى : يغضضن من أبصارهن كمعنى يغضوا من أبصارهم ، فيستدل به على تحريم نظر النساء إلى ما يحرم عليهن ، وكذلك يجب عليهن حفظ فروجهن على الوجه الذي تقدم في حفظ الرجال لفروجهم ( ولا يبدين زينتهن ) أي ما يتزين به من الحلية وغيرها ، وفي النهي عن إبداء الزينة نهى عن إبداء مواضعها من أبدانهن بالأولى . ثم استثنى سبحانه من هذا النهي ، فقال ( إلا ما ظهر منها ) . واختلف الناس في ظاهر الزينة ما هو ؟ فقال ابن مسعود وسعيد بن جبير : ظاهر الزينة هو الثياب ، وزاد سعيد بن جبير الوجه . وقال عطاء والأوزاعي : الوجه والكفان . وقال ابن عباس وقتادة والمسور بن مخرمة : ظاهر الزينة هو الكل والسواك والخضاب إلى نصف الساق ونحو ذلك ، فإنه يجوز للمرأة أن تبديه . وقال ابن عطية : إن المرأة لا تبدي شيئا من الزينة وتخفي كل شئ من زينتها ، ووقع الاستثناء فيما يظهر منها بحكم الضرورة . ولا يخفى عليك أن ظاهر النظم القرآني النهي عن إبداء الزينة إلا ما ظهر منها كالجلباب والخمار ونحوهما مما على الكف والقدمين من الحلية ونحوها ، وإن كان المراد بالزينة مواضعها كان الاستثناء راجعا إلى ما يشق على المرأة ستره كالكفين والقدمين ونحو ذلك . وهكذا إذا كان النهي عن إظهار الزينة يستلزم النهي عن إظهار مواضعها بفحوى الخطاب ، فإنه يحمل الاستثناء على ما ذكرناه في الموضعين ، وأما إذا كانت الزينة تشمل مواضع الزينة وما تتزين به النساء فالأمر واضح ، والاستثناء يكون من الجميع . قال القرطبي في تفسيره : الزينة على قسمين : خلقية ، ومكتسبة ، فالخلقية وجهها فإنه أصل الزينة ، والزينة المكتسبة ما تحاوله المرأة في تحسين خلقها كالثياب والحلي والكحل والخضاب ، ومنه قوله تعالى - خذوا زينتكم - وقول الشاعر : يأخذن زينتهن أحسن ما ترى * وإذا عطلن فهن خير عواطل ( وليضربن بخمرهن على جيوبهن ) قرأ الجمهور بإسكان اللام التي للأمر . وقرأ أبو عمرو بكسرها على الأصل لأن أصل لام الأمر الكسر ، ورويت هذه القراءة عن ابن عباس . والخمر جمع خمار ، وهو ما تغطي به المرأة رأسها ، ومنه اختمرت المرأة وتخمرت . والجيوب : جمع جيب ، وهو موضع القطع من الدرع والقميص ، مأخوذ من الجوب وهو القطع . قال المفسرون : إن نساء الجاهلية كن يسدلن خمرهن من خلفهن ، وكانت جيوبهن من قدام واسعة ، فكان تنكشف نحورهن وقلائدهن ، فأمرن أن يضربن مقانعهن على الجيوب لتستر بذلك ما كان يبدو ، وفي لفظ الضرب مبالغة في الألقاء الذي هو الإلصاق . قرأ الجمهور " بخمرهن " بتحريك الميم ، وقرأ طلحة ابن مصرف بسكونها . وقرأ الجمهور " جيوبهن " بضم الجيم ، وقرأ ابن كثير وبعض الكوفيين بكسرها ، وكثير من متقدمي النحويين لا يجوزون هذه القراءة . وقال الزجاج : يجوز أن يبدل من الضمة كسرة ، فأما ما روي عن حمزة من الجمع بين الضم والكسر فمحال لا يقدر أحد أن ينطق به إلا على الإيماء ، وقد فسر الجمهور الجيوب بما قدمنا وهو المعنى الحقيقي . وقال مقاتل : إن معنى على جيوبهن : على صدورهن ، فيكون في الآية مضاف محذوف : أي على مواضع جيوبهن . ثم كرر سبحانه النهي عن إبداء الزينة لأجل ما سيذكره من الاستثناء فقال ( ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن ) البعل هو الزوج والسيد في كلام العرب ، وقدم البعولة لأنهم المقصودون بالزينة ، ولأن كل بدن الزوجة والسرية حلال لهم ، ومثله قوله سبحانه - والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين - ثم لما استثنى سبحانه الزوج أتبعه باستثناء ذوي المحارم فقال ( أو آبائهن